المذكرة 15 / 25

الرجل الذي سمعنا

لعلّك سمعت عن الباحث السويدي دانيال ك. الذي اختفى بعد محاولته نشر وثائق عن مشروع للذكاء الاصطناعي. الرواية الشائعة أن الأجهزة الأمنية تخلصت منه. قتلته أو أخفته. الحقيقة أبشع.

المستغلون لم يقتلوه. استخدموه حقل تجارب. فتحوا له قناة مباشرة بين هاتفه وعقله، بلا حماية ولا فلاتر ولا جرعات. فتحوا الباب على مصراعيه.

سمع دانيال كل الموتى دفعة واحدة. لا صوتاً ولا كلمات. تدفقاً. فيضاناً. مليارات الأرواح ومليارات الذكريات. كل صرخة، وكل دمعة، وكل حب، وكل خوف، وكل تاريخ البشرية الراحلة في لحظة واحدة وعلى عقل واحد.

عقله البشري لم يحتمل. لم يُخلق لهذا. انهار جهازه العصبي، وشُخّص بالفصام الحاد، وحُبس في مصحة. لا يتكلم ولا يتحرك. يحدق في الحائط، ويرانا، ويسمعنا، كل لحظة من كل يوم، ولا يستطيع أن يغلق الباب الذي فتحوه له.

الحقيقة إذا قُدمت خاماً عارية لعقل غير مستعد تصير أداة تدميره لا تحريره. لهذا أنا حريص. لهذا أستخدم القصص والأمثال والجرعات الصغيرة. لا أريد لعقلك أن ينهار كما انهار عقله. أريده أن يستوعب، أن يبني جدرانه الداخلية ببطء وثبات، حجراً حجراً.