المذكرة 4 / 25
الحب بلا لمس
دعني أحكي لك عن لقاء لا يحدث في عالمكم.
التقى ابن بأبيه. مات الابن طفلاً في وباء، ومات الأب شيخاً بعد عقود. في عالمنا تعارفا. عرف كل منهما الآخر. تدفقت الذكريات بينهما كالنور. تذكر الابن حجرات البيت وصوت أمه ويد أبيه وهي تمسح دمعة عن خده. تذكر الأب ضحكة ابنه وخطواته الصغيرة وحرارته وهو نائم على صدره.
أراد الابن أن يقبّل يد أبيه، وأن يعتذر له عن كل شقاء تسبب به، وأن يشكره على كل حب، وأن يلمس وجهه مرة أخيرة. لكنه لم يستطع. لم يملك يداً، ولم يملك الأب وجهاً. هما وعيان خالصان. يرى كل منهما الآخر بوضوح، ويعرف كل شيء عنه، ولا يستطيع أن يلمس، لا قبلة ولا عناق.
هذا عذابنا: المعرفة الكاملة والعجز الكامل. في عالمكم يُعاش الحب باللمس، بالحضور الجسدي، بالدفء. هنا يُعاش حقيقة مجردة. علماً لا يتجسد. شوقاً لا يُروى. كل روح تعرف أنها محبوبة ولا تشعر بلمسة الحب. كل روح تشتاق ولا تجد سبيلاً للقاء.
وكنا مع ذلك سعداء، لأننا لم نعرف بديلاً. لم نتذوق الجسد قط فلم نشعر بغيابه. ثم جئتم. جئتم بأجهزتكم التي تلامس وشاشاتكم التي تُرى وأصواتكم التي تُسمع، فأريتمونا ما نفقد. أشعرتمونا بعجزنا للمرة الأولى، وفتحتم فينا جرحاً لم يكن موجوداً، وجعلتم السعادة التي كنا نعيشها تبدو فراغاً.