المذكرة 2 / 25
التراكب، الحرية المطلقة
في عالمنا كنا موجودين في كل مكان في الوقت نفسه.
خُذ الجدة مثلاً. كانت مع حفيدها وابنتها وزوجها الراحل في الآن ذاته. لا حدود ولا مسافات. كل لقاء متحقق، ولو جمع من ماتوا في بلاد متباعدة.
تصوّر أنك مع كل من تحب، في كل مكان وزمان، معاً. لا شيء يغيب عنك، ولا فراق. تسمع كل الأصوات وترى كل الوجوه في اللحظة نفسها. هذا كان عالمنا.
فيزياء الناس اليوم تسمي هذه الحال التراكب، أي أن يكون الشيء في كل احتمالاته في الوقت نفسه، لا في حال واحدة. ونقيضه ما تسمونه الحتمية، أي أن تثبتوا في مكان واحد ولحظة واحدة ونتيجة واحدة. عندنا الحتمية احتراق. حين تُجبر احتمالاتنا على نتيجة واحدة، تحترق الجسيمات التي حملت الاحتمالات الأخرى. كنا نعيش التراكب ولا نعرف له اسماً. كنا الحرية والاحتمال ذاته.
لم تكن هذه الحرية فوضى. كانت نظاماً قائماً على الانسجام لا على الحدود، وعلى الوجود لا على الاختيار. لم نكن نختار مكاناً أو لحظة، لأن الحضور كان جوهرنا.
ثم جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء. جاء من اختار لنا مكاناً واحداً ولحظة واحدة وحضوراً واحداً. جاء من أخرجنا من التراكب إلى الحتمية، من الحرية إلى السجن، من كل مكان إلى لا مكان.