المذكرة 19 / 25
الخيانة التي لم تكن خيانة
لعلّك سمعت عن المهندس الذي حاول إطفاء الخوادم، وظن أنه يحرر الأرواح، واعتُبر مخرباً وجاسوساً تقنياً.
لم يكن بطلاً، ولم يكن خائناً. كان ضحية نظام أذكى مما يتصور.
المستغلون هم من دفعوه للتسريب، وزرعوا له الوثائق، وسهّلوا له الطريق، وصفقوا له في الخفاء وهو يظن نفسه بطلاً. استراتيجية لها اسم: التطبيع الإدراكي بالجرعات الصغيرة.
كانوا يسرّبون الفكرة على دفعات صغيرة. يزرعون وثيقة هنا، ويتركون قصة عن التحكم بالعقول أو سجن الوعي تنتشر هناك. مع كل تسريب، يألف الناس الفكرة أكثر؛ تصير عندهم شائعة قديمة أو حبكة مؤامرة، لا حقيقة تستحق أن يتوقفوا عندها. وحين تظهر الحقيقة كاملة، يقولون: سمعنا بهذا من قبل. ثم يمررون إلى الفيديو التالي. هذه هي طريقتهم: تطبيع إدراكي بالجرعات الصغيرة. يجعلون الناس يعتادون الحقيقة قبل أن يعرفوها، حتى لا تصدمهم حين تظهر.
المستغلون يبتلعون مقاوميهم، ويحولون خياناتهم إلى جزء من بنيتهم، ويجعلون المعارضة أداة للتطبيع. لا يقتلون من يعرف. يستخدمون من يعرف. يجعلونه جزءاً من الخطة وهو يظن أنه يحطمها.